الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

33

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

علما ، وكأنما يكشفون منجما ذهبيا أو كنزا ثمينا ، إذ هو السجل التاريخي العظيم الذي دخل من أوسع أبوابه ، والصحيفة المشرقة الخالدة المليئة بعجائب الفنون وغرائب العلوم والموسوعة العلمية التي وقف عندها الجهابذة حسّرا خشعا . كما أنه ليس بالصمصامة الذي يفري ويبري ، وينهب الأعمار والنفوس ويطوح بالرؤوس وييتم الأطفال ويؤيم النساء ، لكنه صمصامة البيان عذب اللسان ، الذي لا تفل مضاربه ولا ينهنه غربه ولا يهن جانبه ، إن تكلم أضفى على العقول سحرا حلالا ، وكسا الأفهام برودا تتلألأ ، وأسقى العطاش من معين علمه دلاء سجالا وماء زلالا ، يغذي الأفكار بجواهر لفظه ودرر كلمه ، ويحيي النفوس والأرواح بروائع حكمه ، إن رمى قرطس وجاء بالشيء الأنفس ، وأصاب الغرض وطبق المفصل ، وإن قال فالقول ما قالت حذام . وإن سوجل فكما قال الشاعر : إن تساجله تساجل ماجدا * يملأ الدلو إلى عقد الكرب فهو البحر الزاخر الذي لا تكدره الدلاء ، والذي يقذف للقريب لآلىء وللبعيد جواهر . ولا هو بالسهيل النجم اليماني المحلق في سماء الخضراء ، بل هو النجم المتألق على الغبراء ، سهيل يتنقل في أبراجه لا يروم عنها بدلا ، ولا يبغي عن منازله حولا ، وذاك يدور من أفقه الذي طلع إلى فلك المشرق والمغرب ، سهيل يدركه الأفول ويعتريه المغيب ، وأبو محمد دائم الظهور والإشراق ، بل كلما طلع كوكب من كواكب مؤلفاته ازداد إشراقا وانتشر سناه إئتلافا . سهيل منازله معروفة وبروجه مألوفة لا يتخلف عنها ولا تتخلف عنه وهذا منازله القلوب وحدائق الأبصار ، وبروجه القصور ودور العلوم ومعاهد العرفان . سهيل لا يذر شارقا إلا من علياء سمائه ومحيط أفقه ، وفي محور فلكه ، ولا يرسل خيوط أشعته إلا على ما حوله ، لا يزايل مكانه ولا يتجاوز أماكنه وفي سماء الخضراء مقبله ومقامه ، فلا يشرق على بلاد الرافدين ، ولا تراه يطل على أكناف الكنانة ولا ولا . بينما الهمداني فمن حيث التفتّ ، رأيته يهدي إلى عقلك نورا ثاقبا ساطعا ، وعلما نافعا أشرق من أفقه ، فسرعان ما امتد سناه إلى الجزيرة العربية ، وتجاوز مواطن العروبة وأقطارها ، ثم تخطاها إلى الأندلس ، حيث استطابه ابن حزم والوزير البكري ، ووسعوا له من قلوبهم وأقلامهم ما وسعهم العلم ، ثم أقبل يأتم أوروبا في الزمن الأخير ، فكانوا فيه بررة ، وكانوا أبر منا فيه ، وأوفى زمانا وأحنا . آمنوا برسائله وصدقوا كلامه ، ثم إجتاز المحيط ليدخل أمريكا حيث ناطحات السحاب ليباهيهم أن أجداده العظماء ، قد سبقوهم في هذا المضمار بآلاف السنين ، ويشغل الحديث عن محطات الإذاعة ، ويتردد صداه على متن الأثير عطرا فواحا وعرفا أريجا .